الجصاص
584
أحكام القرآن
روي فيه غير ذلك ، حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ) قال : نسخها قوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] . وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ) الآية . روى الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : " كان مما شرط سهيل بن عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته علينا ! فرد أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو ، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما . وجاء المؤمنات مهاجرات ، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق ، فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها ، فأنزل الله فيهن : ( إذا جاءك المؤمنات مهاجرات ) الآية . قال عروة : فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية : ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) ، قالت : فمن أقر بهذه الشرط منهن قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد بايعتك " كلاما يكلمها به ، والله ما مست يده يد امرأة من أهل المبايعة ! " . وروى عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن عمر بن الخطاب قال : " لقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة يوم الحديبية وجعل لهم أن من لحق بالكفار من المسلمين لم يردوه ومن لحق بالمسلمين من الكفار يردونه " . وروى الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : " كان في الصلح يوم الحديبية أن من أسلم من أهل مكة فهو رد إليهم ، ونزلت سورة الممتحنة بعد الصلح فكان من أسلم من نسائهم تسأل ما أخرجك ؟ فإن كانت خرجت هربا من زوجها ورغبة عنه ردت وإن كانت خرجت رغبة في الاسلام أمسكت وردت على زوجها ما أنفق " . قال أبو بكر : لا يخلو الصلح من أن يكون كان خاصا في الرجال دون النساء على الوجه الذي ذكر من رد من جاء منهم مسلما إليهم ، أو أن يكون وقع بديا عاما ثم نسخ عن النساء ، وهذا أظهر الوجهين ، وذلك جائز عندنا وإن لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من النساء عليهم ، لأن النسخ جائز بعد التمكين من الفعل وإن لم يقع الفعل . وقوله : ( يا أيها الذين آمنوا ) خطاب للمؤمنين والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم إذا هاجرن إليه ، لأنه هو الذي يتولى امتحانهن دون المؤمنين ، وقد أريد به سائر المؤمنين عند غيبة النبي صلى الله عليه وسلم عن حضرتهم . وقوله تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات ) المراد به العلم الظاهر لا حقيقة اليقين ، لأن ذلك لا سبيل لنا إليه ، وهو مثل قول أخوة يوسف : ( إن ابنك سرق وما شهدنا إلا